أبي منصور الماتريدي
42
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قال بعضهم : صورته كانت صورة عجل ، ولم يكن عجلا في جوهره . وقيل : الجسد هو الذي لا تدبير له ، ولا تمييز ، ولا بيان ؛ لكنه ذكر فيه هنا ما لا يحتاج إلى هذا ، وهو قوله : أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا لكنه كأنه قال : عجلا له جسد يذكر سفههم أنهم عبدوا من لا تدبير له ولا كلام ولا سبب للذي يغتر به أو دعاء ، واختاروا ، الهيئة « 1 » من وصفه ما ذكر . وقوله : لَهُ خُوارٌ قيل « 2 » : إن السامري قد أخذ قبضة من أثر الرسول ، فألقى تلك القبضة في الحلي الذي ألقوه في النار ؛ فصار شبه عجل له خوار . وقال بعضهم « 3 » : صاغ من حليهم عجلا ؛ فنفخ فيه من تلك القبضة فخار خوارا . وقال بعضهم : إن السامري كان هيأ ذلك العجل الذي اتخذه بحال حتى إذا مسه وحركه : خار . وقال بعضهم « 4 » : كان وضع في مهب الريح فيدخل الريح في دبره ، ويخرج من فيه ، فعند ذلك يخور . والله أعلم . وقوله : أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا . [ ذكر أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ] « 5 » ، وفي سورة طه : وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً [ طه : 89 ] ليس فيه أنه إن كان يكلمهم أو يملك لهم ضرّا ونفعا « 6 » يجوز أن يعبد ؛ ليعلم أن ذكر حظر الحكم في حال لا يوجب إباحة ذلك في حال أخرى . وفيه : أن امتناع العلة عن اطرادها يوجب نقضها ، وإن كان اطرادها في الابتداء في معلولاتها لم يدل على صحتها « 7 » .
--> ( 1 ) في أ : أو دعا واختار ، والهيئة . ( 2 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 234 ) وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد بنحوه . وذكره أبو حيان في البحر ( 4 / 390 ) ، وكذا البغوي في تفسيره ( 2 / 201 ) . ( 3 ) أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة بنحوه كما في الدر المنثور ( 3 / 234 ) . ( 4 ) انظر : تفسير الخازن والبغوي ( 2 / 585 - 586 ) . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) في أ : ولا نفعا . ( 7 ) من الطرق الدالة على العلّيّة : الطرد ، وهو مصدر بمعنى الاطراد ، ومعناه : ثبوت الحكم مع وجود الوصف الذي لم يعلم كونه مناسبا ولا مستلزما للمناسب في جميع الصور ما عدا الصورة المتنازع فيها . ومثال ذلك قول الشافعي : الخل مائع لا تبنى على جنسه القنطرة فلا تزال به النجاسة كالدهن ، فكون الدهن مائعا لا تبنى عليه قنطرة ، لا مناسبة بينه وبين عدم إزالة النجاسة ؛ فهو وصف طردي وجد عدم إزالة النجاسة به عنده ، وقد اختلف العلماء في إفادته العلية : -